89 : مقترح تعديل المادة 342 من كتاب الميراث: نصيب البنت والبنات

 مقترح تعديل المادة 342 من كتاب الميراث

نصيب البنت والبنات

محمد بلمعلم


نصت المادة 342 على أن أصحاب النصف خمسة: ومن بينهم "البنت بشرط انفرادها عن ولد الصلب ذكرا كان أو أنثى". وفي المادة 345 من نفس الكتاب ذكر المشرع المغربي أن أصحاب الثلثين أربعة، أولهم: "ابنتان فأكثر بشرط انفرادهما عن الإبن". تثير هاتين المادتين بخصوص نصيب البنات في الميراث كثير من الملاحظات،

أ. نصيب البنت

سبق لي ان طرحت سؤالا (بخصوص نصيب البنت التي لم تنفرد عن ولد الصلب) مفاده: إذا أراد أخوة أن يمنحوا اختهم نفس نصيبهم في الارث، بمعنى أنهم لا يريدون ان يأخذوا حظان لكل واحد ويعطوا لأختهم حظ واحد، هل يُمنعون شرعا من هذا الجود والعطاء؟ هل يعتبر هذا مخالفة منهم وتحريف للنص التشريعي الصريح؟ ومن تم هل الفروض المنصوص عليها قرآنا هي انصبة مفروضة لا يجب تغييرها وتحريفها لا بالزيادة ولا بالنقصان، ام انها لا تعدو ان تكون حدود دنيا يجوز رفع مقدارها لكن لا يجوز تخفيضها؟
والجواب ان نصيب البنت المقرر شرعا وقانونا انما هو حد أدنى نص عليه الشارع الحكيم لمجتمع كان يرث البنات بدل ان يُورثهم، فإذا شاء الأخوة في زماننا ان يقتسموا معهن التركة على قدم المساواة لا فرق بين ذكر وأنثى، فلا يوجد ما يمنع من ذلك، بل هم مأجورون على هذا الصنيع، ويستحقون به رضا الوالدين والخالق سبحانه.
وهذا الأمر يحصل ويتكرر في المجتمع المغربي وربما العربي أكثر من مرة، حيث لا يخلو زمان من أن يتفق الاخوة ويتراضون على اقتسام تركة المورث على قدم المساواة بين أخواتهم الإناث، ومن الأمثلة التي سنحت لي الفرصة ان اطلع عليها عيانا، حالة أخوين من أحد مدن شمال المغرب، لهما أخت واحدة، اتفقا بموجب لفيف عدلي تلقاه يوم 5 دجنبر 2017 العدلان عبد الحميد الزبير وفيصل الحراق، على أن كل ما خلفه لهم مورثهم يقسم بينهم بالتساوي بنسبة الثلث لكل واحد من أبناء المورث لا فرق بين الانثى والذكر،
هذا ليس اعتراض منهما على الحكم الشرعي "للذكر مثل حظ الانثيين" والا لما قبل العدلان الأشهاد عليه، ولكن فهم منهما بمقاصد الشرع وغايته في وجوب توريث الأنثى، وأن تنال حظ واحد كحد أدنى، ومن زادها على ذلك فسعيه مشكور ومحمود وله من الأجر والثواب ما الله به عليم.
السؤال المطروح هو: إذا كان يجوز للوارث ان يرفع قدر نصيب الورثة معه، هل يجوز للمشرع ان يتدخل ليرفع نصيب الورثة، بمعنى آخر هل يجوز للمشرع ان يرفع الحد الأدنى المنصوص عليه قرآنا للمرأة؟
ليس هناك شرعا ما يمنع المشرع من رفع الحد الأدنى لميراث المرأة الذي يمنعه من ذلك هو السياسة التشريعية، هل أبناء المجتمع مستعدون ان يعطوا اخواتهم أكثر مما فرض لهن الله تعالى كحد أدنى، هل ستكون فتنة لو أجبرهم المشرع على التبرع أكثر مما نص عليه المولى؟
أعتقد انه لم يحن بعد الآوان كي يتدخل المشرع المغربي لكي يرفع الحد الأدنى لنصيب البنت التي لم تنفرد عن ولد الصلب، مازال أبناء الشعب المغربي في غالبتهم يرفض أن يقتسم التركة مع اخته المتزوجة بالخصوص على قدم المساواة، فهو يعتبر أن ما سينالها من نصيب سيذهب الى جيب زوجها فحسب، لكنهم غير صادقون، لا يصرحون بالأسباب الحقيقية، مثل أنه قد يكون قد ساهم في ثروة المورث، وان الأخوات لم يبدلوا ما بَدل في تطوير وتنمية ثروة الهالك، بل تجد المواطن المغربي والعربي عموما يعترض على من يقول بمساواة المرأة في الإرث، من باب الدفاع عن الشرع ونصوصه وحروفه، ولا يملك الجرأة للقول " انا ارفض ان اعطي لأختي أكثر مما قرره القرآن".
بل ما يزال في بعض جهات المغرب ومناطق في البلاد العربية (الصعيد مثلا) من يحرم أخته حتى نصيبها المقرر لها شرعا وقانونا، فما يجب على المشرع القيام به الآن، هو تجريم حرمان الفتيات من حقهم في الإرث، وتشديد العقوبة على ذلك، هذا من جهة ومن جهة أخرى نقترح في هذه الآونة ان يتدخل تشريعيا بإضافة فقرة ثانية الى المادة من مدونة الأسرة، تشجع المغاربة على سبيل الجواز وليس على سبيل الوجوب على الاتفاق طواعية على تقسيم التركة بين اخوة الهالك على قدم المساواة دون تمييز بين الذكر منهم والأنثى، كما اقترح في هذا الإطار أن يشرع لبعض التحفيزات المواكبة، من ذلك مثلا ان ينص على أن التركة التي تقسم بالتساوي بين ورثة الهالك تستفيد من إعفاءات ضريبية، أو غيرها من التحفيزات الأخرى التي قد يجدها الساهرون على الشأن التشريعي مناسبة في هذا المقام (1).
خلاصة القول إذا أراد أخ أن يعطي لأخته حظا مثل حظه في الميراث، او يتنازل لها عنه كله، فليس لأحد أن يمنعه من ذلك، وإذا أراد أن يعطي لأخته فقط الحد الأدنى المنصوص عليه في كتاب الله، فليس لأحد أن يجبره على أكثر من ذلك، وإذا أراد أن يمنع أخته حتى حظها المقرر لها شرعا وقانونا، فيجب على الدولة أن تتدخل تشريعيا لتجريم ذلك.

ومن الأمور الأخرى التي يثيرها اللفيف العدلي المذكور أعلاه، وهو أن الإخوة الثلاثة أبناء الهالك، اتفقوا على اقتسام التركة بينهم بالتساوي لكل واحد منهما الثلث لا فرق بين ذكر وانثى، واتفقوا على أن الأم، بمنعى آخر زوجة الهالك سوف تأخذ الثمن المقرر لها شرعا وقانونا، وهذا يسمح لي بأن اطرح تساؤل يحيلنا على المبحث الموالي من هذه الدراسة والخاص بنصيب الزوجة: هل من العدل أن تنال الزوجة في المجتمعات العربية الإسلامية (التي هي ام الأبناء) الثمن او الربع، ويتم اقتسام التركة بين الورثة، هل هذه هي الأم التي اوصانا بل امرنا الشرع ببرها والإحسان إليها؟ أهكذا تكون التشريعات بخصوص الأم في البلاد العربية المسلمة التي تدعي أنها هي الأكثر برا بالوالدين؟


ب. نصيب البنات

وفي نفس الإطار، ماذا عن الرجل الذي له بنات ولم يرزق بولد ذكر يمنع ابناء العمومة من ان يشاركوا البنات في ميراث ابيهم. ماذا عن الرجل الذي يعيش في الغربة مع بناته، وابناء العمومة لا تربطهم اي صلة بهاته الأسرة النووية الموجودة بعيدا، هل من العدل ان يشارك العصبة الفتيات في ميراث أبيهم، ويحوزوا باقي التركة، دون اي سابق معروف منهم؟ ما هو مناط وعلة الحكم القرآني الذي ينص على ان للبنات الثلثين، وللعصبة الثلث؟ الم يكن هذا الحكم قد شرع في إطار تركيبة اجتماعية معينة التي كان يتجلى فيها حقا وحقيقة معنى العصبة، الإحاطة، والعناية، والمشاركة في المهنأ والمحزن، بل يتعداه الى اداء الدية في حالة القتل الخطأ؟
لو كان عمر رضي الله عنه موجود بين ظهرانينا لكانت له الجرأة في ان يجتهد ايضا في هاته المسألة، كما اجتهد بخصوص سهم المؤلفة قلوبهم، فأسقطه بعد عزة ومنعة الإسلام ([3]).
السؤال هل تم تحديد مناط وعلة الحكم، التي يدور معها الحكم وجودا وعدما، بشكل جيد؟ الا يمكن ان يكون لهذا الحكم علة اخرى غير ما ذكر أعلاه، وبالتالي لا مساغ لإجتهاده أعلاه؟ مبحث تحقيق المناط، وشروط العلة، هو المبحث الأصعب في علم أصول الفقه، وأي خطأ في تحقيق المناط، يؤدي الى خطأ ما يليه.
إذا قمنا بالسبر والتقسيم لتحديد علة حكم ميراث البناث الثلثين من التركة، وللعصبة الثلث...
يتبع

محمد بلمعلم

للتوثيق:
م ب : مقترح تعديل المادة 342 من كتاب الميراث: نصيب البنت والبنات، مجلة قم نفر، 25 يناير 2018، تحت عدد 89.


---------------------------------------------------------------------------------
لقراءة وتحميل
الطبعة الأولى،  
منشورات مجلة قم نفر، باريس
بقلم بلمعلم محمد.

--------------------------------------------------------------------------------------------------------------


(1) يجب الصدق في الاعتراض على من يقول بمساواة المرأة في الإرث، لا تقل لي النص الشرعي والقرآن، بل قل انا ارفض ان اعطي لأختي أكثر مما قرره القرآن، كن صريح، اما الله عز وجل فيجازي العبد الذي يعطي لأخته أكثر من النصيب الذي فرض، هذا عمل يباركه الرحمان. عجيب يجوز للأخ ان يحرف مقادير الميراث بالزيادة، ولا يوجد من يقول انه حرف نصوص الشارع الحكيم في الميراث، وإذا أراد المشرع ان يرفع الحد الأدنى لحظ المرأة، قيل انه يخالف قواعد الإرث المنصوص عليها في القرآن.

(2) للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها تابع للمبحث الموالي من هاته الدراسة الخاص بنصيب الأم.

[3] - د. عدنان ابراهيم، ما هي الثوابت في الإسلام؟ برنامج صحوة، الحلقة 18، الموقع الرسمي للباحث.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق