25 : تقديم محكمة النقض الفرنسية لمصلحة ملغاة شرعا وقانونا على نصوص اتفاقية فرنسية مغربية، بقلم محمد بلمعلم


الزواج للجميع الفرنسي في مواجهة أنظمة وتشريعات الدول المسلمة

تعليق على قرار محكمة النقض الفرنسية الصادر بتاريخ 28 يناير 2015، القاضي بجواز ابرام رعايا الدول المسلمة لعقود زواج مثلية

بقلم محمد بلمعلم

 

 

تقديم القضاء الفرنسي لمصلحة ملغاة على نصوص اتفاقية فرنسا-المغرب، بتاريخ 10 غشت 1981،

 

عملت محكمة النقض الفرنسية في قرارها الصادر بتاريخ 28 يناير 2015 على اعتبار مصلحة ليست فقط مرجوحة بل ملغاة بموجب اتفاقية بين المغرب وفرنسا ([1])، ضاربة عرض الحائط بمجموعة من النصوص القانونية من أجل مصلحة شرذمة من الناس تقول إن مصلحتهم هي الأرجح، إنه نموذج الخطأ الفاحش في تقدير المصلحة وتقديمها على النص من قبل أعلى هيئة قضائية في فرنسا   .

يريد هذا القرار القضائي الفرنسي أن يفسد أخلاق المغاربة، ويبيح لهم ما حرمته عليهم التشريعات السماوية والوضعية، حيث قضت محكمة النقض الفرنسية بموجب هذا القرار أن مقتضيات الزواج المثلي يجب أن تسري حتى على المغاربة المسلمين المقيمين بفرنسا، أعتقد أنه يجب على المغرب مع هذا القرار أن يسجل موقفا بهذا الخصوص، وان لا يدع الحبل على الغارب لمحكمة النقض الفرنسية تفسر مقتضيات اتفاقية 10 غشت 1981 كما شاءت وخارج مقصود المشرع الفرنسي الموثق في تقرير الاعمال التحضرية التي رافقت مشروع قانون 17 ماي 2013.
لقد عللت المحكمة قرارها بكون القانون المغربي قانون مجحف، يجب أن يًستبعد من التطبيق بمقتضى المادة 4 من الاتفاقية المذكورة، ويجب أن تضمن فرنسا للشواذ المغاربة حقهم في ابرام عقود زواج رسمية على الأراضي الفرنسية، مادام مشرعهم الوطني لا يسمح لهم بذلك. حيث أعطت المحكمة لنفسها الحق في تقويم التشريع المغربي، واعتباره تشريعا مجحفا، ينتهك حقوق الشواذ جنسيا، ومن تم يجب استبعاده ولو كانت هناك اتفاقية صريحة بين المغرب وفرنسا، وليس فقط مقتضيات المادة 6 من القانون المدني الفرنسي.
علمت محكمة النقض خطورة قرارها فأصدرت على غير العادة بيانا صحفيا تبين فيه وتؤكد أن هذا الاجتهاد خاص فقط بالمغاربة المقيمين بفرنسا اقامة اعتيادية، علما ان القانون والاتفاقية صريحة بهذا الخصوص: رعايا كل من الدولتين يخضعان لقانون احوالهما الشخصية فيما يتعلق بشروط ابرام عقد الزواج. لقد بين هذا القرار كيف تراعي محكمة النقض حرمة النصوص، وكيف تقدم مصلحة مرجوحة بل ملغية على كل النصوص الشرعية والقانونية الخاصة بالتشريع المغربي، وتتنكر حتى للتشريع الفرنسي (المادة 16 من القانون المدني)، وللالتزاماتها الدولية التي تربطها مع المغرب منذ غشت 1981.
لقد عللت محكمة النقض الفرنسية قرارها، بتعليل خطير وهو كون "المغرب لا يرفض مطلقا زواج المثليين”، هذا هو الغريب والعجيب حقا من جهتين، إن كان كذب، وإن كان صدق بأن المغرب لا يرفض هذا المنكر جملة وتفصيلا. يتبين من هاته الحيثيات أنه لو كانت القضية تتعلق بأحد رعايا دولة اسلامية أخرى غير المغرب، ما اتخذت محكمة النقض بخصوصها هذا الاجتهاد، حيث تعتبر ان المغرب متساهل بخصوص المثلية الجنسية، والعجيب أن هذا القرار قد صدر في ظل الحكومة الأكثر تذكيرا بالمرجعية الإسلامية، ولم نر أي نكير أو رد فعل من قبل الطرف المغربي .

لا يجب أن تمر هاته القضية مسكوتا عنها، ذلك أن كثير من المقتضيات في قانون الأحوال الشخصية المغربي يمكن التفاوض بشأنها، حيث أوجد لها المغرب تأويلا وعمل على تعديلها مثل مسألة التعدد، الطلاق بإرادة منفردة، وإثبات النسب في فترة الخطوبة... إلا الزواج المثلي، هذا الأمر لا تحلم فرنسا او غيرها أنه سيأتي اليوم الذي تغير فيه المملكة المغربية تعريف عقد الزواج، من كونه ميثاق ترابط وتماسك شرعي بين رجل وامرأة الى شيء آخر، هاته المسألة تهتز بشأنها العروش.

لقد عرضت محكمة النقض بموجب هذا القرار مصالح وعلاقات فرنسا للخطر، من أجل اعتبار مصلحة شواذ جنسيا، وإمعانا في وجوب أن يرضخ الشعب الفرنسي لتعديل 2013، وكون هذا الحق صار في مصاف قيم فرنسا السامية أحب من أحب وكره من كره من الشعب الفرنسي، ومن أجل هذا الحق (الباطل) سوف يتصرف القضاء الفرنسي كما كان يتصرف بخصوص المقتضيات الموجودة في التشريعات الأجنبية والمخالفة للنظام العام الفرنسي مثل اباحة الطلاق بإرادة منفردة، أو تعدد الزوجات أو غيرها من المقتضيات غير المقبولة.

وأكدت في القرار نفسه ان الزواج المثلي مسألة لا يمكن التفاوض بشأنها، وأن أي تشريع يحرم الزواج المثلي فهو تشريع غير مقبول، بحيث أن التشريع الفرنسي الجديد يجب أن يسري حتى على الدول الأخرى، ولو كانت دول إسلامية )[2]). يجب احترام إرادة المشرع المغربي فمازال وسيزال كما كانت فرنسا قبل 17 ماي 2013 )[3])، لا يعترف بأي حق للمنحلين أخلاقيا في ابرام عقود زواج رسمية، لقد استجابت فرنسا لمطالب الشواذ جنسيا، رغم معارضة عموم ابناء الشعب الفرنسي، حيث أن هاته المسألة لا تحوز الاتفاق حتى داخل البلد الواحد، ومع ذلك تُقاتل دونها محكمة النقض الفرنسية، وتعتبرها حق أساسي يُضحى من أجله بجميع العهود والمصالح وتبقى حقوق الشواذ، الذين سيجلبون لفرنسا المزيد من المتاعب والمشاكل، حيث صاروا الآن يطالبون بحق اثبات النسب لأطفال تم انجابهم عن طريق كراء الأرحام.

لقد صار الزواج المثلي في فرنسا بين عشية وضحاها قيمة أساسية، تستبعد من أجلها كل التشريعات والاتفاقيات التي لا تعترف بهذا الباطل، وهنا يطرح التساؤل كم دولة في العالم تعترف به ([4](، هل هذه قيمة أساسية عالية، لا نقاش فيها، هل كل هاته الدول التي لا تعترف بالزواج المثلي على ضلال وفرنسا 2013 على حق، إن ادخال الزواج المثلي  في خانة النظام العام الدولي، مسألة لا تقنع أحدا، فإلى عهد قريب كانت محكمة النقض الفرنسية نفسها ترفض قرارات قضائية أجنبية تسمح بالتبني لزوجين من نفس الجنس )[5])، فكيف أنه لم تمر إلا أيام على قانون ماي 2013، حتى صار الزواج المثلي من أسس المجتمع الفرنسي، والحال أنه مازال في فرنسا من ينادي ويضع في برامجه الانتخابية أنه مع صعود الحكومة الجديدة سوف نعمل على إلغاء قانون 17 ماي 2013.

قد نتفق على مسألة أن حل الرابطة الزوجية لا يجب ان يكون بإرادة منفردة، وان من حق فرنسا أن ترفض ان ينتج مثل هذا الطلاق آثاره في بلدها، ونتفق بالتالي أن المساواة بين الزوجين مبدأ يدخل في النظام العام الدولي. لكن بخصوص مسألة قسمت المجتمع الفرنسي لا أقول لنصفين، بل تقريبا كل المجتمع مقابل شرذمة من الشواذ، ثم تصير حسب محكمة النقض الفرنسية قيمة أساسية لا تقبل الجدال، ويجب معها رفض كل التشريعات المخالفة، فهذا الأمر لا يكاد يستسيغه العقل السليم. وكل ما في الأمر أن المحكمة العليا قررت توجيه ضربة قاضية للمعارضين للقانون داخل فرسا، ولقد كان كبش الضحية في هاته المعركة الأخيرة التشريع المغربي، حيث قضت المحكمة العليا: "هذا قانون أساسي، وسوف ننحي من أجله حتى القوانين الأجنبية".

تعتقد المحكمة انها بهذا القرار كانت وفية لنية المشرع الفرنسي، والحال أنها لم تكن كذلك البتة، حيث إنه بالرجوع إلى الأعمال التحضيرية التي رافقت مشروع الفقرة 2 من المادة 202 من القانون المدني، سنجد أن التقرير يقرر صراحة ويعطي مثال بالمغرب على وجه التحديد:  ”إذا تعلق الأمر بالمغرب أو الفتنام لا تطبيق لهذا النص، ولو تعلق الأمر بكون الشريك فرنسي“([6]). خاصة وأن هناك اتفاقية صريحة بهذا الخصوص تجمع بين فرنسا والمغرب منذ 10 غشت 1981، غايتها احترام الهوية الوطنية لرعايا كلا البلدين، ومن تم فالقرار المذكور تعدي صارخ من محكمة النقض الفرنسية على النص، بدون موجب أو استثناء مبرر، من أجل مصالح لا تستحق، بشكل نعيد معه طرح السؤال هل صار القاضي في فرنسا مشرعا؟! وإلا فإن هذا المغربي المقيم بفرنسا بزواجه من فرنسي من جنسه قد عبر عن عدم رغبته في الانتماء للأمة المغربية الإسلامية، يمكن لفرنسا ان تمنحه جنسيتها وتطبق عليه قانونها الفرنسي الجديد، القانون المغربي غير واجب التطبيق في حقه.

إن محكمة النقض الفرنسية بهذا القرار القضائي لا تسعى الى تشجيع التقارب بين الأنظمة القانونية المختلفة، بل تسعى الى تعميق الهوة والاختلاف بين التشريعات الدولية، في حين أن حوار الحضارات يقتضي ايجاد وسائل لتقليص التباعد بين الأنظمة القانونية. ولقد حاولت الدول العربية الإسلامية من جهتها ان تقترب من الأنظمة القانونية الأوربية، لكن بهذا الاجتهاد يبدو أن فرنسا مصرة على الابتعاد، فالأكيد انه لن يأت اليوم الذي تتبع فيه الدول المسلمة فرنسا فيما يتعلق بتغيير تعريف عقد الزواج بشكل يسمح بانعقاده بين شخصين من جنس واحد.

يظهر أن هناك أزمة عميقة لتحديد مفهوم القانون والحق الأساسي، وفي هذا الإطار هناك من ير أنه يجب ان يكون هناك تراتبية في الحقوق الأساسية، ما هو معترف به عالميا كحق أساسي، له من الحماية الواجبة، وما ليس كذلك، فلن يحظى الا بحماية في أضيق الحدود ([7]). إن لائحة الاختلافات طويلة، ثم تزيد عليها محكمة النقض الفرنسية امرا مشينا يضع النظامين على طرفي نقيض، فلا يمكن ان تلتحق يوما قوانين الدول المسلمة بالقانون الفرنسي الذي يسمح للمنحلين بالحق في ابرام عقود زواج رسمية.

إنه بحق زمن مبدأ سلطان الإرادة، لم تعد التشريعات تضع حدا لرغبات البشر، حتى السفهاء منهم، إنه زمن الفوضى التي ستعود بنا في الأخير لوضع الحدود من جديد، فكما قال الأولون: "التاريخ يعيد نفسه"، سوف يشهد العالم ثورة فرنسية جديدة، وسوف يعود القانون المدني لسنة 1804 من جديد، لقد تعلمنا شيء واحد من التاريخ هو أن دروس التاريخ لا يتعلم منها أحد.

التوثيق:
محمد بلمعلم، " تعليق على قرار محكمة النقض الفرنسية القاضي بجواز ابرام رعايا الدول المسلمة لعقود زواج مثلية "، مجلة قضاء محكمة النقض الفرنسية، 1 دجنبر 2016، تحت رقم 25.
انظر أيضا: هسبريس، 14 ابريل 2018، تحت رقم 387804.



[1] - La convention franco-marocaine du 10 août 1981 qui comporte des règles de conflit de facture classique donnant compétence, quant aux conditions de fond du mariage, à la loi nationale de chacun des époux. 
[2] - Note sous l’arrêt Cass. 1re civ., 28 janv. 2015, n° 13-50.059, par Léna Gannagé, La Semaine Juridique Edition Générale n° 12, 23 Mars 2015, 318.
[3] - La réforme du 17 mai 2013 (L. n° 2013-404, 17 mai 2013 ; JCP G 2013, doctr. 171, Étude H. Fulchiron).
[4] - Sur les cent quatre-vingt-treize États qui sont aujourd'hui membres de l'Organisation des Nations Unies, seule une vingtaine autorise le mariage homosexuel.
[5] - Cass. 1re civ., 7 juin 2012, n° 11-30.261 : Bull. civ. 2012, I, n° 125 ; JCP G 2012, act. 728, obs. A. Devers ; JCP G 2012, 857, F. Chénédé ; Rev. crit. DIP 2013, p. 587 et s., note L. Gannagé
[6] -  Le rapporteur concluait: «Dès lors, si la loi nationale du Maroc ou du Vietnam, par exemple, n'autorise pas le mariage des personnes de même sexe, les ressortissants de ces États ne pourront pas se marier en France y compris avec un Français» (Rapp. Sénat n° 437, 20 mars 2013, p. 54, J.-P. Michel).
[7] -H. Gaudemet-Tallon, Nationalité, statut personnel et droits de l'homme, in Festschrift für Erik Jayme : Sellier European Law Publishers, 2004, p. 205.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

555 : القانون المدني الفرنسي : دراسات وأبحاث، منشورات مجلة قم نفر، باريس، الطبعة الأولى يونيو 2020، تحت رقم 555، بقلم بلمعلم محمد

الكتاب : دراسات في  ا لقانون المدني الفرنسي المؤلف : محمد بلمعلم ،  الناشر : مجلة قضاء محكمة النقض الفرنسية  العنوان : باريس، ف...